الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 الكفايات في الخطاب التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد المراح
Admin
Admin
avatar

الجنس الجنس : ذكر
عدد الرسائل عدد الرسائل : 12775
العمر العمر : 39
العمل/الترفيه : أستاد التعليم الإبتدائي
المدينة : أكادير-العمل:اقليم اشتوكة أيت باها-
البلد البلد :
الهواية :
المزاج المزاج :
تاريخ التسجيل : 19/07/2008
نقاط نقاط : 20059
الوسام الادارة

مُساهمةموضوع: الكفايات في الخطاب التربوي   الإثنين أبريل 13, 2015 8:06 am

لم يكن الحديث عن جودة التعليم، والتعليم بالكفايات، وتعليم القرن الواحد والعشرين، إلا دعوة صريحة لتكييف المدرسة مع الوضع العالمي الجديد. ليس لأن المدرسة مدعوة إلى تعليم نوعي يستجيب لشروط العصر، ويحافظ على استمراريتها كمؤسسة لإنتاج المعرفة وأدواتها، فهذا يبقى شعارا للاستهلاك، وإنما لتدخل المدرسة في شبكة المؤسسات المعولمة، لا سيما أنها أصبحت نقطة جذب لا مثيل لها لاعتبارين:
الأول: أنها سيوكل إليها تشكيل الذهنية المأمولة، باعتبار الدور التاريخي الذي عرفت به كأداة للتنميط والترويض.
الثاني : أنها تشكل سوقا استهلاكية عالمية ضخمة، وهذا ما يفسر المنافسة الشرسة بين كبريات الشركات لاحتلال هذا الكنز المكنون. ويجري الحديث الآن عن "سوق التربية"، "وسوق المواد والخدمات البيداغوجية" و"سوق الأساتذة والتلاميذ". وانعقد ما بين 20 و23 ماي 2000 بكندا السوق العالمي الأول للتربية.
إن الخوف من تسليع التربية، وإفراغ العملية التربوية من رسالتها الوطنية، يبقى أمرا مشروعا، في ظل دعوة تغييرية تتزعمها الولايات المتحدة الأمريكية، وتشرعنها المؤسسات الدولية، التي ثبت أنها واقعة تحت نفوذ سلطتها.
إن التعليم بالكفايات بما يحمله من نزوع واضح إلى التضحية بالمعرفة لصالح المهارات، لا يبدو بريئا في ظل تأييد أمريكي، وإن كان هذا التعليم ما يزال، وهو في طبعته الأولى، يحمل كثيرا من الآمال لإنقاذ المدرسة من كسادها. هذا ولا أخفي استغرابي غياب هذا الربط لدى رجال التربية المتحمسين لهذه البيداغوجيا.

-1 مكونات بيداغوجيا الكفايات:

الغايات:
يفهم من كتابات رواد بيداغوجيا الكفايات أن غايتها هي:
تمكين التلميذ من كل الكفايات الضرورية التي تؤهله:
ليعرف كيف يتصرف مع الناس
ليعرف كيف يعيش حياته
ليعرف كيف يعبر عن ذاته، ويدافع عن مواقفه، ويحدد اختياراته، في وضعيات معقدة ومتجددة باستمرار

من الغايات إلى المنهاج:
لا تقترح بيداغوجيا الكفايات منهاجا بالمعنى التقليدي للكلمة، وإنما تقترح ممارسات ديداكتيكية من سماتها: التعاقد، المرونة، الانفتاح، التجريب، الإبداع.

التعاقد:
يعني الإقبال الواعي للتلميذ على فعل التعلم، والحضور الطوعي فيزيائيا وذهنيا، لأن التعلم يدخل ضمن اهتماماته الذاتية والموضوعية، إنه متعة يكتشف من خلالها ذاته، ويمنحها معنى في الحياة. إنه إحساس بالمسؤولية الشخصية والمهنية، ومحاولات مضنية لفهم العالم حوله، متجسدا في أدوات الترفيه، وقنوات الإعلام والاتصال، والمحيط السوسيوثقافي في كل تجلياته. ههنا يُصير التعاقد التلميذ كائنا موثوقا به، يقوي جاهزيته، ويشحذ همته، ويقوي شخصيته.
هذا ولا يكتسي التعاقد هذه الصفة، إذا لم تكن مادة التعلم ذات معنى، أو كانت معزولة عن الشرط النفسي والحياتي للتلميذ، أو تفتقد لجانب الإمتاع والإطراب لديه. إنها في هذه الحالة تصبح عقوبة، لا يألو جهدا للفكاك منها.
يتحدث فليب بيرنو عن التعاقد فيقول:
"يتمثل دور التلميذ في البيداغوجيا المتمركزة حول المعرفة، في الاستماع ومحاولة الفهم وإنجاز التمارين بدقة، وتصويب مكتسباته في إطار اختبارات كتابية فردية ومنطقية في أغلب الأحوال. أما في بيداغوجيا الوضعيات –المشكلات ، فيكمن دور التلميذ في الاشتراك والمساهمة في مجهود جماعي لإنجاز مشروع وبناء كفايات جديدة، وله الحق في المحاولة والخطأ ، وهو مدعو للإفصاح عن شكوكه، وإظهار استدلالاته، والوعي بطرقه في الفهم والحفظ والتواصل... ومثل هذا العقد يفرض إلى جانب ما سبق الانسجام والاستمرارية من قسم دراسي إلى آخر، ومجهودا دؤوبا في تفسير قواعد اللعبة وتعديلها مع التخلي عن المنافسة والفردانية" (5-85)

هذا تعاقد جزئي ، تعاقد سفلي، على مستوى الإنجاز فقط، لا يفضي إلى نتائج ملموسة، إذا كانت المادة التعليمية لا تثير التلميذ، ولا تحقق انتظاراته. بينما التعاقد الحقيقي يكون على مستوى الفعل في شموليته، على مستوى إعداد المادة التعليمية، واختيارها. التعاقد بهذا المعنى عمل تفاوضي نحو حل يرضي الطرفين، فمن يتفاوض مع من؟ وحول ماذا سيتم التفاوض؟ إنها مفارقة غريبة حقا.
قد يبدو التعاقد في مجال العمل أمرا مفهوما، العامل يتعاقد مع المشغل لإنجاز مهمة ما، أما في المدرسة فلا يمكن أن نتحدث إلا عن تعاقد ضمني بين المدرسة والمجتمع لإنجاز مهمة التعليم. أما الحديث عن عقد ديداكتيكي بين طفل في السابعة من عمره ومدرس، فيبدو حلما في غاية الرومانسية. يحاول بيرنو أن يخفف من آثار هذه الرومانسية فيقول إن "العلاقة البيداغوجية في جوهرها بالأساس، غير متكافئة، ولذلك فالمدرس ليس مطالبا بأن يستجيب لكل متطلبات التلاميذ بأي ثمن".(5-81)

الانفتاح: ببيداغوجيا مفتوحة نحقق مدرسة مفتوحة، ذلك هو الرهان الذي تطمح إليه بيداغوجيا الكفايات. الانفتاح هنا ضد الانغلاق، ضد الانحسار بين جدران الفصل الدراسي. تنمية الكفايات، أمر لا تستطيع الحصص الدراسية تحقيقه، لأن المدرسة الحالية لا تقدم إلا معارف ميتة. بينما تكوين الكفايات يعتمد "منطق التدريب" لأنها –يضيف بيرنو- "تتكون بالتمرن في وضعيات معقدة". التعلمات الحقيقية- إذن- تتم خارج أسوار المدرسة لأنها:
- تنبني على بيداغوجيا المشروع: وهي برنامج عمل يحتاج من التلميذ وقتا طويلا وجهدا كبيرا لإنجازه.
-تستعين ببيداغوجيا الوضعية المشكلة: وهي تعني أن التعلم الحقيقي لا يتم بخلق وضعيات مصطنعة، وإنما بوضعيات حقيقية ينطلق منها التلميذ لتحقيق تعلماته.
-تتقصد، تحريك التعلمات في سياقات جديدة، وتحويلها إلى كفايات جديدة مكتسبة، وهذا يحتاج إلى تدريب ذاتي وجماعي شاق لا يتحقق في حصة دراسية أو حصتين.

التجريب: ولأنها منفتحة فلأنها تجريبية لا نظرية، التجربة هنا محاولات مستمرة من لدن التلميذ لتنمية كفاية معينة، "لا يهم أن يخطئ فالخطأ طريق الصواب، بل هو مدعو لأن يخطئ لكي يفصح عن شكوكه، ويظهر استدلالاته، ويعي طرق الفهم والحفظ والتواصل. (5-85) إنه يصير سيد نفسه، أو ممارسا متأملا بتعبير شون.
يصير التجريب هنا انخراطا ذاتيا في عملية التعلم، وصولا إلى تحقيق الكفايات المرجوة. فكما أن الطفل يتعلم المشي عبر ممارسة المشي – يقول بيرنو- والسباحة عبر ممارسة السباحة، فإن تعلم التفكير يجب أن يكون عبر ممارسته. التعلم في هذه الحالة يندمج مع حياة التلميذ، ويصير فعلا حياتيا لا نشاطا معزولا محمولا على الإكراه، وكلما كانت المعرفة مندمجة- يقول بيير أسطولفي- كلما كان بمقدورها أن تكون محولة ومحركة. أي يسهل التحكم فيها وتصريفها في الوضعيات المناسبة. وبذلك تتحول إلى كفايات ذاتية.
التجريب ببساطة هو "تعلم ما لا نعلم عن طريق فعله" بتعبير فليب ميريو.

المرونة: لا تقترح بيداغوجيا الكفايات برنامج عمل موضوعا سلفا، لأنها لا تعمل بالتخطيط ولا بالتنبؤ "لا يمكن أن ندرس بالكفايات ونحن نعرف، منذ الدخول المدرسي، ما سنعالجه في شهر دجنبر، لأن الأمور رهينة بمستوى التلاميذ ومشاركتهم وبالمشاريع التي ستنجز ودينامية المجموعة –الفصل".(5-83).
تصير المرونة هنا مطلبا ديداكتيكيا لأن التعلم الحقيقي لا يمكن التحكم في إيقاعه سلفا، وإنما ينبع من طبيعة التعلمات، ونوع الكفايات التي يراد تعلمها، ومدى استجابة التلاميذ، وقدراتهم الذهنية. وهذا يتطلب وقتا غير معروف لدى المدرس ولا التلميذ، فكيف يكون معروفا لدى واضعي البرامج؟
المرونة إذن، تعني الاستغناء عن الحصص الدراسية، باعتبارها مددا زمنية لإنجاز مهمة تعليمية ما، ما دامت الحصص غير مؤهلة لاحتواء البيداغوجيا الجديدة.
تعني إعادة النظر في الكتاب المدرسي، لأنه لم يعد مؤهلا وحده لتحقيق كفايات التلميذ بأبعادها المركبة والمعقدة. الكتاب المدرسي يحمل معارف نظرية، يمكن استيعابها في ظرف زمني محدود، وتنمية الكفايات تدريب عملي، يمر عبر سلسلة من المحاولات والاكتشافات وصولا إلى التحقق النهائي. الكتاب المدرسي يخاطب الذهن، والوضعيات المشكلات تستنفر كل طاقات التلميذ المعرفية، والوجدانية، والحركية، والتخييلية، والإبداعية.
المرونة أيضا تعني التخلي عن نظام الامتحانات، لأنها تقويم غير عادل، كما أن الكفايات لا يمكن تقويمها في مدى زمني محدد بساعة أو ساعتين. "من المستحيل تقويم الكفايات بكيفية معيارية، لذا ينبغي العدول عن الاختبارات المدرسية الكلاسيكية كإبدال تقويمي، والتخلص من اختبار الكفايات الذي يضع المتبارين في نفس نقطة الانطلاق".(5-102).
-أولا لأن الذكاءات غير متساوية، فلا يمكن لجماعة من التلاميذ أن ينجزوا الشيء نفسه في المدة نفسها.
-ثانيا لأن الكفايات لا تحتاج إلى سلم تنقيطي ولا إلى معيار جزائي، لأنها تومن بصعوبة تلك المهمة، بل استحالتها.
وإذ يبدي بيرنو رفضه المطلق للتقويم بالامتحانات، لا يخفي صعوبة إيجاد البديل. يقول: "لا يوجد حاليا بديل وحيد لنظام الاختبارات المدرسية وامتحانات المعارف.
وستبحث الأنظمة التعليمية عما هو بسيط وقليل التكلفة، ومن الحكمة التخلي عن تلك الاختيارات، لأن تقويم الكفايات لا يمكن أن يكون إلا معقدا، ومشخصنا، ومتداخلا بعمل التكوين المحض".(5-103).
المرونة تعني الإيمان بالتعدد وإقصاء مبدأ التوحيد. لا وجود لتعليم موحد، لأنه لا وجود لذكاء موحد، كما أنه لا وجود لطرق تدريسية موحدة، لأنه لا وجود لكفايات موحدة. كل هذا تفرضه اللحظة التعليمية، هي التي تتحكم في المنجز التعليمي، وتفرض الطريقة التعليمية المناسبة، والفضاء التعليمي المفيد، والكفايات المراد تحققها لدى كل متعلم على حدة، لا لمجموع التلاميذ. لهذا تستعين بيداغوجيا الكفايات بالبيداغوجيا الفارقية، كأسلوب تعليمي، يراعي الفروق الفردية للتلاميذ، ويقر بوجودها.
الإبداع: التعليم بالكفايات عمل إبداعي لأنه لا يسقط في الاستعادية من منطق "بضاعتنا ردت إلينا" وإنما يتجاوزها إلى الخلق والإضافة، وهو ما يعبر عنه في أدبيات التدريس بالكفايات بالتحويل LeTransfert والتحريكLa mobilisation.(6
التحويل والتحريك مفهومان أساسيان لفهم بيداغوجيا الكفايات، لأنهما معيار تحقق الكفاية لدى التلميذ. بانتقال المعرفة من مرحلة الاستيعاب إلى مرحلة التطبيق.
وللوصول إلى هذه المرحلة يضع رواد هذه البيداغوجيا شروطا واضحة:
-أن تكون المعرفة تجريبية ومندمجة في حياة التلميذ، لأن ذلك يجعلها مهيأة لأن تكون معرفة متحركة " بيير أسطولفي".
-ألا يأتيا أي التحريك والتحويل بعد الحشد النظري للمعارف في الذهن، كما ترمي إلى ذلك البيداغوجيا التقليدية، بل يكونا عمليتين دائمتين في كل مراحل التعلم. بيرنو. ديفلاي.
-التحريك عمل ذهني يمر عبر ملاحظات وافتراضات وقياسات ومقارنات وغيرها من العمليات المعرفية والميتامعرفية" بيرنو
-التحريك لا يعني الاستعمال أو التطبيق فقط، بل يعني أيضا المخالفة والإدماج والتعميم أو التحديد، والتناغم، والتنظيم، والربط.

وإجمالا التحريك هو قيادة عدد من العمليات الذهنية المعقدة التي من شأنها، إذا أدمجت في سياقها، أن تحول المعارف بدل نقلها. وبذلك تنتقل من النقل الحرفي إلى العملية الكيميائية. بيرنو
-التحريك يعني عزل المعارف عن سياق الاكتساب، لإعادة استثمارها في سياقات جديدة، فرضها الواقع، أو استلزمتها الحاجة.
التحريك بهذا المعنى، هو نوع من الإبداع لأنه يقوم على الهدم، أو النسيان بلغة الإبداع، لأنه لا يمكن أن نتحرر من معارفنا إلا بنسيانها، ولا يمكن أن نبدع إلا إذا تحررنا من سلطة المعارف التي تثقلنا.
الهدم يعني أيضا التجاوز فما نعرفه قد يصير قديما أمام جدة ما نواجهه من مواقف، ولذلك يستدعي الأمر اجتهادا ذاتيا.

هذه بتركيز شديد أهم مرتكزات بيداغوجيا الكفايات كما تصورها أصحابها، وإن كان لا بد من الاعتراف أنها استفادت إلى حد كبير من التحولات المعرفية الجديدة، خاصة منجزات علم النفس المعرفي، فإنه ينبغي الإقرار أن كل التصورات التي طرحتها، كانت اجترارا لما سبق طرحه منذ 1912 مع تيار التربية الجديدة، مرورا بالمدرسة النشيطة كما قدمها سلستان فريني، والتربية الوظيفية كما اقترحها كلاباريد، والبيداغوجيا الأداتية مع جون ديوي. وهذا جعلها عاجزة عن تقديم بدائل ديداكتيكية، توافق الطرح النظري الذي تنطلق منه، لأنها كانت تنظر إلى مدرسة المستقبل من منظور سابق، أو لأن مدرسة المستقبل بالغايات التي تضعها هذه البيداغوجيا، مازالت وسائل أجرأتها غير واضحة تماما، وسيكون عليها أن تخلق لنفسها أدواتها الخاصة بناء على ما تقدمه تكنولوجيا الاتصال المتعدد الوسائط.
رغم كل هذه الرجعية، في تصور العملية التعليمية، يبقى تطبيق بيداغوجيا الكفايات حلما لا واقعا.

3- - خطاب الكفايات في المدرسة: الحلم المستحيل
منطلقان للتأمل:
بذلت فرنسا جهودا كبيرة لتطبيق بيداغوجيا الكفايات في مدارسها، وبعد سنوات قلائل، اضطرت للاستعانة برجال الأمن، بعد أن تضاعفت مستويات العنف داخلها. وبات %40 من الفرنسيين يؤيدون تدخل رجال الأمن في المدارس خوفا على سلامة أطفالهم من عنف زملائهم.

-أمضت مقاطعة الكبيك بكندا سنوات عدة للتحضير لتعليم بالكفايات، وحين وضع القطار على السكة، لم يجد فليب بيرنو بدا من الاعتراف بالشعور يالإحباط بدعوى أن ما يراه ليس بداغوجيا الكفايات وإنما هو شيء آخر لا يعرفه.
"لا يمكن أن نقبل بتعليم مفروض.
سأدافع عن فكرة أنه لا يوجد إصلاح إذا لم يكن قابلا للتفاوض، ومتفاوضا حوله.
تفاوض مفتوح لا مساومات بين المركزيات النقابية والوزارات".(7)

أنطلق من هاتين الواقعتين لأثبت أن بيداغوجيا الكفايات بيداغوجيا حالمة.
حالمة لأنها تتصور الكفايات معزولة عن سياقها القيمي والسوسيوثقافي. وهذا يبقى، في ظل سلطة المجتمع، وهما. فلا يمكن تصور مدرسة، في الوقت الراهن، مؤسسة لا تعيد إنتاج قيم المجتمع وثقافته. يبرز بيرنو هذا الحلم الرومانسي قائلا: "إذا كان هناك مجتمع يريد أن يرسخ، بالمدرسة، أخلاقه وقيمه، وجماليته، وعقلانيته، ووطنيته، فمن الأفضل أن يعلن عن ذلك صراحة، لا أن يمرر قيمه عبر الكفايات".
حالمة لأنها تخيلت مدرسة نظيفة، أو مدرسة في درجة الصفر من الإيديولوجيا. بينما لم يثبت تاريخيا أن كانت هناك مدرسة غير مؤدلجة. ولا أدري لماذا تم تغييب هذه الحقيقة مع إشارة فليب بيرنو صراحة أنه"إذا ظلت أبعاد النظام التعليمي المختلفة ساكنة، ولم تتغير سوى البرامج والخطاب الذي نوظفه في الحديث حول غايات المدرسة، فإن المقاربة بالكفايات وتجديد البرامج بشكل عام، لن يكون إلا نزوة عابرة وتغييرا عرضيا في حياة النظام التعليمي" (5-95)
حالمة لأنها غير قابلة للتطبيق في المدرسة الحالية.
لأن المدرسة الحالية نتاج مجتمع الحداثة، والبورجوازية الصناعية، والمعرفة المكتوبة، والنظرة المعيارية للواقع والانسان، أما الكفايات فمنتوج ما بعد الحداثة، وعصر الصورة، ومجتمع المعرفة، وتكنولوجيا الإعلام والاتصال. ويعود في رايي هذا القصور، ومن ثم المفارقة، إلى غياب النموذج لدى المنظرين. فحين يغيب النموذج يستعصي التصور والوصف. ونبني تصوراتنا على أشكال موجودة سلفا. وهذا ضعف في الكفاية التنظيرية، إن جاز هذا التوظيف.
- حالمة لأن المدرسة الحالية مؤسسة حكومية، والحكومة معنية بالأرقام حد التخمة، أرقام الميزانيات، أرقام الناجحين والراسبين والمغادرين، ولا يمكن أن تترك شيئا خارج الحساب.
ولذلك فإن القبول بنشاط مفتوح في مدرسة مقيدة هو نوع من الخيال.
- حالمة لأن الشأن التعليمي شأن حكومي، تصادق عليه الحكومة، ويباركه البرلمان. وهما مؤسستان يتجاذبهما الفكر الرجعي، من منطلق الحفاظ على الوضع السائد، ولعبة المصالح، وإكراهات النفوذ الداخلية والخارجية، ولعبة التوازنات المالية والسياسية والاقتصادية.
وبذلك تضيع التربية، وتحضر السياسة.
- حالمة لأنها تدعي أنها ستعطي "معنى للدراسة"، وأنها تحمل الفرصة الأخيرة لإنقاذ المدرسة " التي تتراجع دون أن يلوح في الأفق خيار بديل أو مصداقية". مع العلم أن المدرسة كانت دائما في أزمة لأنها لم تستوعب التحولات التي وقعت خارج أسوارها، حتى بات إصلاحها اليوم، أمرا مستحيلا، ربما لا يتم إلا بدك أسوارها.
وربما كان فليب بيرنو على وعي باستحالة المهمة، ولكنه استمر في البناء على الرمال، يقول:"هذا التطوير يعد صعب المنال لأنه يتطلب تغييرات جذرية في البرامج والديداكتيك وسير الأقسام والمؤسسات وفي مهنتي التدريس والتلمذة، وهي تغييرات تلقى مقاومة هادئة ونشيطة من طرف بعض المعنيين الذين يدافعون عن النظام التدبيري القائم، واستمرارية بعض المؤسسات حفاظا على امتيازاتهم دون أي اهتمام بنجاعة التكوين".
- حالمة لأنها تنادي بمدرسة متعددة، تراعي الذكاء الفردي لكل تلميذ. بينما لا تستطيع ميزانية أي دولة، في الوقت الراهن، أن تضع أستاذا لكل تلميذ، أو أن تضع تنمية الكفايات خارج أي تأطير زمني وفضائي. هذا إضافة إلى هاجس الوحدة الوطنية الذي يقيد العمل التربوي.
لكل هذا ستبقى بيداغوجيا الكفايات حلما على ورق، وستظل المدرسة الحالية معملا لإنتاج الضحايا، وسيظل الفشل الدراسي يضاعف أرقامه الخيالية، وسترتفع معدلات العنف والجريمة بين أسوار المدرسة. حتى تتدخل الشركات العابرة للقارات، بدعم من المنظمات الدولية غير الحكومية، لفتح المدرسة الجديدة، بعد أن تستسلم الحكومات بشكل نهائي.
-4- بيداغوجيا الكفايات في المدرسة المغربية حق أريد به باطل
يبدو من قبيل الفحش أن نتحدث عن بيداغوجيا الكفايات في المدرسة المغربية. ليس لأنها بيداغوجيا منتزعة من سياقات مختلفة فحسب، وليس لأنها تعبر عن مرحلة حضارية لم نلتحق بها بعد، ولو أننا دخلنا تاريخيا في الألفية الثالثة، ولكن لأنه لا وجود لمدرسة مغربية بالمفهوم الحداثي للكلمة، ومن ثم لا يمكن أن نتحدث عن إضافات في ظل غياب الموضوع.
قد يبدو هذا الحكم قاسيا، على مؤسسة منحت الكثير للوطن، على مستوى الأطر واليد العاملة المدربة. ولكنني في مثل هذه الأمور أحب أن أنظر إلى النصف الفارغ من الكأس، وأدعوكم إلى تأمله مثلي، من خلال هذه الاستنتاجات:

-إن توقعات ميزانية الدولة بالمغرب، ونحن في القرن الواحد والعشرين، لازالت مرتبطة بالسنة الفلاحية، التي بدورها ترتبط بالتساقطات المطرية، أي أننا في النهاية مجتمعا فلاحيا، بينما 76% من اليد العاملة في الفلاحة أمية، هذا في الوقت الذي توجه المدرسة %60 من تلامذتها إلى الشعبة الأدبيةّ ليكونوا أدباء وشعراء.

-إنه بعد نصف قرن من الحديث عن بناء الدولة الحديثة، مازال اقتصاد الريع والامتيازات هو السائد، وهو شكل اقتصادي فيودالي، وما زالت نسبة كبيرة من الاقتصاد الوطني غير مهيكلة، أو مقاولات عائلية. فلمن سنعد هذه الكفايات. بينما الواقع لا يعترف بها، وإنما بالمحسوبية والزبونية والعلاقات العائلية؟

-إن 99 تلميذ من أصل 100 من أبناء البادية لا يحصلون على الإجازة. و90 من أبناء المدينة لا يحصلون عليها. و85% من أبناء المغاربة لا يحصلون على البكالوريا. و40 %من الحاصلين على الإجازة، على قلتهم، لا يجدون عملا، ويجدون أمامهم الشارع.
إن هذه الأرقام المهولة دفعت إلى تشكيل نظرة تبخيسية لدى الرأي العام الوطني تجاه المدرسية، مما أفقدها قيمتها الاجتماعية كأداة للترقي الاجتماعي، والحظوة الثقافية، اللتين تمتعت بهما في الستينات والسبعينات. ومن ثم أصبح الإقبال عليها من قبيل الشر الذي لا بد منه.
إن تطوير الكفايات يقوم أولا على الرغبة، ومادامت المدرسة تقتل هذه الرغبة في نفسية التلميذ، للعامل السابق، وأيضا لغياب محفزات التعلم، فإن الحديث عن الكفايات يبقى حديثا دون موضوع.

- إن تعليما يقوم على الهاجس الأمني، ولا يمنح للمدرس والتلميذ، وهما المعنيان مباشرة بالعملية التعليمية، أية قيمة اعتبارية، لهو تعليم بعيد كل البعد عن تنمية الكفايات، بالصورة التي قدمناها سابقا. فلا زال ونحن في سنة 2004 مطلوبا من المدرس أن ينجز الجذاذات، ويحرص على التطبيق الحرفي للحصص الدراسية، ويا ويله من تباطأ في ذلك، من عقاب المفتش الذي يتصيد تلك الفرص ليظهر أنه يقوم بوظيفة الــــــحراسة التي أوكلت إليه. وبذلك تأخذ المسرحية بعدا دراماتيكيا.

لنفترض، بتفاؤل زائد، أن الأمور تغيرت، وأن الإصلاح أمسى ضرورة لا رجعة فيها، بعد أن عبر الخطاب السياسي عن ذلك، فهل يمكن أن نرفع من جودة التعليم؟
أبدا:
-لأن ذلك يستلزم إعادة النظر في سياسة الدولة جملة وتفصيلا.
-لأن ميـــــــــــــــــــــــزانية الدولة لا تقدر على ذلك.
-لأن تحديث المدرسة ليس في صالح الراغبين في المحافظة على الوضع السائد.

ما هو الحل إذن؟
سننتظر ماما أمريكا، لتأتي بشركاتها، وأموالها وتبني لنا مدارس، لإنتاج الكفايات الضرورية لشركاتها، وبعد ذلك وداعا للوطن. ألم تقم فرنسا بالمهمة نفسها، قبل تسعين سنة؟ أهو مكر التاريخ؟ أم هي الأمية السياسية في هذه البلاد؟
وليــــــــــــــــــــــــــــــــــــرحمنا الله.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almansour.forumactif.org
 

الكفايات في الخطاب التربوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: المنتديات التربوية و التعليمية :: حقيبة الأستاذ استعدادا للإمتحانات المهنية :: علوم التربـية وعلم النفس التربوي-